من المستفيد من توتر العلاقة بين الجزائر ومصر؟
السياسة صنعت "الأزمة".. وكرة القدم أطالت في عمرها !
السياسة صنعت "الأزمة".. وكرة القدم أطالت في عمرها !
تحقيق: توفيق بوقاعدة (زارزة)
أسدل الستار نهائيا على فصول مأساة قضية النجم الجزائري صاحب الكرة الذهبية الإفريقية، لخضر بلومي و الطبيب المصري أحمد عبد المنعم بعد أن ظلت 20 سنة تنخر في العلاقات الجزائرية المصرية، وتزيد من حدة التعصب بين الجمهور الرياضي من الحين والآخر، وتشير تصريحات كل من شهد الواقعة أن الاثنين كانا بريئين ويستحقان هذه التسوية، فالطبيب المصري كان الضحية البريئة، تعرض للقذف بكوب زجاجي تطايرت أجزاء منه وفقأت إحدي عينيه، فأصيب بعاهة مستديمة منعت إبصار هذه العين بنسبة أكثر من 50٪، ولخضر بلومي دفع ثمن جريمة لم يرتكبها، فقد أنكر التهمة ورفض الإفصاح عن اسم الفاعل الحقيقي من زملائه والذي يقال إنه الحارس الاحتياطي "كمال قادري"، وتعرض بموجب ذلك بلومي لحكم غيابي بالسجن لمدة خمس سنوات، وأصدرت في حقه مذكرة توقيف دولية من طرف الشرطة الدولية "الأنتربول"، هددته بالاعتقال في حال مغادرته أرض وطنه، فظل حبيساً الحدود الجزائرية، وممنوعاً من السفر طوال 20 عاماً، عاش معها معاناة نفسية تقترب من معاناة الضحية المصري.جلسة صلح
وجاء اتفاق التسوية بعد تدخل القيادة السياسية في البلدين على مستوى القمة لإنهاء الأزمة حيث عقدت جلسة للصلح يوم 24 مارس الماضي بالقاهرة بحضور رئيس اللجنة الأولمبية المصرية، اللواء منير ثابت، ورئيس اللجنة الأولمبية الجزائرية، مصطفى براف، والطبيب المصري أحمد عبد المنعم أحمد عبد الهادي، حيث وقع هذا الأخير رسالة بحضور رئيسي اللجنتين الأولمبيتين الجزائرية والمصرية "تعلم الوكيل العام للقاهرة بتنازله عن كافة حقوقه وعن كل متابعة في حق لخضر بلومي.
أنتهت إذا قضية بلومي و الطبيب أحمد عبد المنعم، لكن أثار هذه الأزمة لازالت مستمرة بين جمهور الكرة المستديرة في البلدين، بل إنها أخدت أبعادا أخرى تجاوزت بكثير الإطار الرياضي، إلى وعي و إدراك كل طرف إتجاه الأخر.
فهل كانت مباراة 16 نوفمبر 1989، هي بداية لظاهرة التعصب الكروي بين جماهير البلدين؟ أم أن هذه المباراة ماهي إلا القطرة التي أفاضت الكأس، وأن تأزم العلاقة بين البلدين لها أبعاد اخرى تتجاوز الرياضية إلى السياسة و المصالح الإستراتيجية؟.
لماذا تكرهوننا ؟!
بعيدا عن لغة الدبلوماسية والخطابات المنمقة في الزيارات و المناسبات، فإن العلاقة بين الشعب الجزائري والمصري ليست على أحسن ما يرام، وأن القول بغير ذلك هو قفز على الحقائق وتجاوز لأصل المشكلة مما يزيد حتما من التراكم والتضخيم يوم بعد يوم، نستند في حكمنا هذا على ما لمسناه في الشارعين المصري والجزائري، حيث وصلت درجة الإحتقان مرحلة لا يجب تجاهلها، و إنما دراسته، والبحث عن موطن الخلل في هذه العلاقة التي لا يعكس واقعها الراهن العلاقات الأخوية التاريخية بين البلدين أين أمتزجت دماء الشعبين في كثير من المحطات التاريخية؛ و تاريخ الثورة الجزائرية لازال شاهدا على الدعم و التضحيات التي قدمها المصريون لنصرة الجزائريين على المحتلين الفرنسيين، كما لازالت ذاكرة الجزائريين والمصريين تحكي بطولات الجيش والمتطوعيين الجزائريين في حربي 1967و1973 إلى جانب إخوانهم المصريين، والأمثلة كثيرة على عمق العلاقة الأخوية والودية بين الشعبين خلال مختلف المراحل التاريخية.
"لماذا تكرهوننا، نحن شعب مسالم، وجميع شعوب العالم تحبنا حتى تلك التي حاربتنا في الأمس القريب"، بهذه العبارة رد علي "عمي أحمد" سائق الطاكسي صاحب العقد الخامس من العمر الذي أوقفته في شارع البرازيل بالزمالك متجها إلى السيدة زينب، عندما عرف جنسيتي الجزائرية. بدأ مثل أغلب سائقي الطاكسي في العالم بالشكوى من كل شىء؛ الزحام، الوضع المعيشي، والأزمة المالية العالمية، وأصحاب السيارات الملاكي وقانون المرور، والحال التى صارت عليه القاهرة الآن، كان يدفعني لمشاركته أحاديثه، ولما لاحظ عدم إهتمامي، وأني أجاري كلامه بعبارات قصيرة، حيادية بلكنة مصرية مكسرة، لأني فعلا كنت مشغولا بالتفكير في مسألة أخرى، أحاول أن أجد حلا لها قبل رجوعي للجزائر بعد أسبوع.
ولأنه فيما يبدو كان متمرسا في الحديث مع جميع الزبائن بطباعهم وأمزجتهم المختلفة قام بإعادة بناء الحوار من جديد، بعد إدراكه بحدسه أني لا أهتم لكل ما يقوله في تلك اللحظة. بادرني بالسؤال" الأخ منين" كنا حينها بجوار التلفزيون المصري، رديت "الجزائر" إجابتي حركت في "عمي أحمد" غضبا لم أفهمه في حينه، وجاء تعليقه علي "الجزائر" عكس ما درجته من كل الناس الذي سألوني قبله "بلد المليون والنصف مليون شهيد، بلد جميلة بوحيرد، كيف هو الوضع الأمني هناك، بوتفليقة حتما سوف يجدد له رئيسا للجزائر....." كانت تختلف التعليقات بحسب ما يعرفه الشخص عن البلد وثقافته التاريخية أو السياسية عليها. لكن تعليق " عمي أحمد" كان صدمة لي لحظتها، وحولت نظري من مبنى التلفزيون إلى وجهه أتفحص مدى جدية ما يقوله. أدركت حينها أنه يعي جيدا ما يقول، اصطنعت الهدوء لحظتها حتى استوضح الأمر منه أكثر، فقلت لكن ما هو دليك في أن الجزائريين يكرهون المصريين كما تزعم. قال" الكرة" كل مرة نلعب فيها مع بعض تعملونا مشاكل، و تضربونا، أنتم ما تحبوش مصر و المصريين، بالرغم إحنا ما نأذيش وعمرنا ما أذينا حد والله".
حاولت أن أشرح لعمي أحمد أن ما تتحدث عنه مجرد كرة والعنف في الملاعب صار الآن آفة عالمية وليست خاصية جزائرية أو مصرية، ونحن الجزائريين نعتز بمصر وشعبها، ونقر دوما بأفضالها علينا خلال الثورة التحريرية، فأجاب وعلى وجهه إبتسامة تهكمية "دعك من التاريخ.. أما الآن فأنتم تكرهوننا لأنكم لا تحبون تفوق مصر وتفردها".
أنتم إرهابيون
نقاشي مع سائق الطاكسي تكرر مع أشخاص آخرين وبطرق مختلفة في الكثير من المرات، ودائما كانت كرة القدم والمقابلات الكروية التي جرت بين فريقي البلدين هي البداية والنهاية التي يستخلص منها محدثي المصري أن الجزائر تكره مصر. ومنها مثلا ما حدث أمام مجمع التحرير المقابل لمقر جامعة الدول العربية حيث سألت شاب عن الطريق المؤدي إلى دار الأوبرا المصرية، ومثل جميع أفراد الشعب المصري المضياف بطبعه، وصف لنا المكان، والسبل التي نسلكها للوصول إلى الدار، وأضاف في النهاية "أنتم من ليبيا" رد صاحبي لا من الجزائر، تبسم وقال أنتم معنا في نفس المجموعة، وسوف نربحكم بأربعة صفر، رد صاحبي عليه بأن الفريق الجزائري هو الذي يكسب حتما لأن الجزائريين لا يرضون الإنهزام أمام الفريق المصري بالتحديد، هنا قطب محددثنا جبينه، وقال، إذا لعبتم دون عنف ولم تمارسوا طرقكم الارهابية لن تهزمونا أبدا. الفريق المصري هو الأقوى الآن في القارة الإفريقية كلها.. ونحن المصريين نرضى بالانهزام أمام زامبيا ولن نقبل بالهزيمة أمام الجزائر، لأننا لن ننسى أبدا ما لحق بنا من طرف الجزائريين في مقابلة 1989. أنتم تتطاولون على مصر كثيرا وليس في الكرة فقط، فلدي عم يعمل في معامل البترول بالصحراء الجزائرية، وحكى لنا عن كل ما يتعرض له من مضايقات بسبب جنسيته المصرية. أدركت حينها أن الإستفسار عن الطريق بدأ يأخذ منحى آخر، فتدخلت وقلت لهما أن من يلعب جيدا على أرض الميدان في السابع جوان المقبل هو الذي يستحق الفوز وسوف يصفق له الجزائريون و المصريون على السواء. عبارة التهدئة التي قلتها لم تهدأ الطرفين، وإنما قطعت تشاحنهما، وذهب كل واحد لحال سبيله.
"حاتم" صاحب محل لبيع وتصليح أجهزة المحمول بالجيزة كان أكثر فصلا بين العصبية الكروية في المدرجات والعلاقة بين الشعبين في غير ذلك المكان، حيث يقول "أن الجزائريين، لا يحبون المصريين في الكرة وبس، وذلك لأنهم يعتبرون أنفسهم ملوك وسادة هذه اللعبة عربيا، والفريق المصري في السنوات الأخيرة أصبح فعلا هو سيد الكرة العربية خاصة بعد تراجع أداء الكرة في الجزائر منذ تسعينات القرن الماضي، وكُره الجزائريين لنا ليس بمعنى الحقد، وإنما يمكن تسميته غيرة كروية تم التعبير عنها بأشكال من التعصب أثناء اللقاءات التي جمعت الفريقين تطورت في لقاءات إلى مشدات سواء بين اللاعبين أو بين المشجعيين، وأن التاريخ يشهد بأن الجزائريين هم الذين بدأوا بالعنف.
ابراهيم حسن يشعل النار المشتعلة
نظرت الجزائريين للمصريين لا تختلف كثيرا عن نظرة المصريين لهم، فهما يختلفان فقط في المصطلحات التي يستعملونها في وصف الطرف الأخر، وترتيب الاتهامات الموجهة له، وتحميله المسؤولية فيما آلت إليه هذه العلاقة.
يقول "جمال" عامل بمطعم بساحة الشهداء، أن الفرصة مواتية الآن حتى يثأر الجزائريين من هزيمتهم أمام المصريين، و يثأرون أيضاً من السلوك "الوقح" الذي قام به اللاعب السابق في الفريق المصري "إبراهيم حسن" بملعب بجاية، وقد بيّن الجمهور الجزائري حينها بأنه كبير على عكس ما قام به أنصار الفراعنة في سنة 1989، أين أعتدوا على الخضر قبل وبعد المباراة، يضيف "جمال" نحن الجزائريين نتقن اللعبة المستديرة جيدا ولدينا نجوم يجوبون أروبا بأكملها، أما المصريين فهم لازالوا في بداية الطريق، وما حققوه لم يكن باللعب النظيف، وإنما بالصفقات التي تمت تحت الطاولة، لذلك حصلوا على كأس إفريقيا.
"محمد" الشاب البطال و المناصر الوفي لفريق مولودية العاصمة، يرى أن المصريين لا يستحقون الفوز والتأهل لكأس العالم و أمم إفريقيا، بالرغم من أن فريقهم هذه المرة يعتبر في أحسن حال من جميع المرات السابقة. و إنما لأن المصريين مغروريين و "زواخيين بزاف"، وجعلوا من انفسهم اسطورة وهم لاشىء، فقد إحتكروا كل شىء لأنفسهم، العلم، الثقافة، التاريخ، السياسة، وحتى الرياضة التي لم يعرفوها إلا في العقود الأخيرة. يرون أنفسهم محور العالم العربي، بالرغم من أن مآسي العرب كلها كانت بصناعة أيديهم، بداية من هزيمة 1967، مرورا بإتفاقية كامب ديفيد و إحتلال العراق وصولا إلى حصار غزة و ضربها من طرف إسرائيل.
التوتر سببه.. إسرائيل ؟!
وقبل الإنتقال لبحث الأسباب الحقيقية وراء هذه النظرة السودوية لكل طرف عن الأخر يجب الإشارة إلى الملاحظة التي رصدناها خلال إستطلاعنا لهذه الأراء، وهو أن هناك فرق في تصور النخبة والجماهير للمسؤولية التي آلت إليها العلاقات الجزائرية المصرية، ففي الوقت الذي لا ترى النخبة أن التعصب الكروي يجب أن يبقى في حدود عمر المقابلة وهناك اطراف تحاول الاستثمار فيها وتأجيجها على حساب مصالح الشعبين، تخلط الجماهير بين الكرة والسياسة والتاريخ، وترى في كل مواطن من تلك الدولة هو ممثل لحكومت وبالتالي هو مسؤول عن كل ما يحدث من تجاوزات التي يجب الاقتصاص لها.
يرى الأستاذ بكلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالجزائر "سمارة نصير" أن العلاقة المتوترة بين البلدين سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، ليست كما يرى البعض من عشاق الكرة أنها تعود إلى 16 نوفمبر 1989 في إطار التصفيات المؤهلة لكأس العالم، حيث لم تكن تلك المقابلة إلا إحدى مخارج العلاقات المتوترة منذ إنفراد مصر بتوقيع إتفاقية سلام مع إسرائيل، حيث كانت الجزائر من أكثر الدول التي أستنكرت ذلك القرار، وكانت من أولى الدول التي طالبت بنقل مقر جامعة الدول العربية من مصر إلى تونس، وكانت من الدول الفاعلة فيما كانت تسمى "جبهة الصمود والتصدي"، وأستمرت هذه العلاقة المتوترة بالرغم من مظاهر التوافق المعلن. فإدراك النخب في البلدين مختلف في طبيعة السلام في المنطقة الذي يسعى كل طرف إلى تحقيقه، وقد انعكس هذا الإختلاف في الخطاب الإعلامي الحكومي بصورة معلنة قبل 1991، ومستتر بعد ذلك التاريخ، خاصة بعد الأزمة الأمنية التي عرفتها الجزائر عقب هذه المرحلة التي تتهم فيها الجزائر الدول العربية بأنها تركتها تواجه محنتها وحدها، ومصر بطبيعة الحال أول المتهمين لدورها المحوري في قيادة العمل العربي المشترك. في الوقت الذي كانت ترى فيه مصر أن الزمة الجزائرية قضية داخلية لا يجب التدخل فيهها إحتراما للشرعية الدولية، وكذا ميثاق جامعة الدول العربية الذي ينص صراحة على عدم التدخل.
وقد أنعكست المواقف السياسية و الإعلامية على إدراك الجيل الجديد من الشباب من الطرفين الذين لم يعايشوا مراحل إزدهار العلاقات الجزائرية المصرية في الخمسينيات والستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي، وأضحت كثقافة سياسية يتم تداولها على أساس أنها حقائق مطلقة، فأصبحت مثلا عبارة "أن العرب ضيعوا فرصة ذهبية في مبادرة السادات لتحقيق الدولة الفلسطينية" أو مثلا "أن العرب حمقى ضيعوا فرصة السلام بسبب الخطابات الشعبوية الجوفاء" بالنسبة للمصريين.. أما الجزائريين فلازالت بعض المطظلحات القاسية على الشعب والحكومة المصرية يتم تداولها إلى غاية الآن بين العامة والتعامل معها على أساس انها حقائق أيضا من مثل "أن مصر باعت العرب لإسرائيل وأمريكا" و"مصر هي حليف إسرائيل الاستراتيجي في المنطقة" وغيرها من العبارات التي لا نرى أي جدوى ذكرها هنا لأنها كلمات سوقية من إبتكار عامي جزائري خالص. ويخلص الأستاذ سمارة للقول "أن مواقف الجزائر ومصر في العديد من القضايا الإقليمية والعالمية متباينة ومتعارضة في كثير من الأحيان" وهو هذه الحالة من التوتر الدائمة.
صحافة البلدين تصب الزيت على النار
لا ينكر أحد أن الإعلام قام بدور كبير في إحداث الفرقة بين الجزائريين والمصريين سواءا في القضايا السياسية أو الرياضية، فقد ساهم الإعلام الرياضي في تأجيج مشاعر التعصب والكراهية بين الشعبين، منذ حادثة بلومي والطبيب ويقول في هذا الإطار رئيس القسم الرياضي بجريدة "اليوم السابع" المصرية "إن المعالجة الإعلامية الخاطئة للحادثة وكثير من القضايا بعدها هي التي أوصلتنا لهذه الحالة"، ويضيف " إن الإعلام العربي وللأسف الشديد إعلام غير مسؤول هدفه الربح فقط ولو على حساب القيم، ورغم الكتابات الإعلامية التي تدعو إلى المصالحة بين جمهور الفريقين إلا أن هذه الأقلام لا يسمع لها صوت وسط ضجيج الإعلام التحريضي والداعي إلى شحد السيوف وإعداد العدة للمواجهة وكأنها مواجهة حربية مع عدو وليست مقابلة رياضية كروية بين أشقاء يجمعهم كل شىء ولا تفرقهم إلا ما يوسوس به هذا الإعلام الذي لا يحترم أدنى ابجديات العمل الصحفي وأخلاقه.
توصيف الأستاذ "عصام شلنتوت" تؤكده كتابات هذا الإعلام هذه الأيام مع إقتراب موعد مقابلة الفريقين في السابع جوان، ويكفي فقط التأمل في العناوين الكبرى لهذه الصحف من مثل: "إن جماهير الكرة المصرية لن تبقى مسالمة أبد الدهر تجاه الجزائريين" و"مصر لن تظل تتلقى الطعنات دون رد" والسن بالسن والبادئ أظلم"، " أحفاد شيشناق يستعدون لغزو الفراعنة"، " الثأر.. الثأر من المصريين".
وأوعزا الصحفي الجزائري بجريدة الشروق اليومي عبد الرزاق بوالقمح هذه الحرب الإعلامية بين الجزائر و مصر إلى إنعدام الكفاءة المهنية لدى الصحفيين، الذين لا يعرفون أبجديات العمل الإعلامي، وبدل أن يكون دورهم قيادة الجماهير الرياضية نحو القيم النبيلة للعبة الأكثر شعبية في العالم فإنهم يصبون الزيت على النار المشتعلة.. و هذا لا ينفي ـ يضيف عبد الرزاق ـ وجود صحفيين عملوا ولا زالوا على تعزيز الروابط الكروية والأخوية بين الشعبين، وأشار محدثنا إلى المبادرة التي قام بها منذ سنة محسن لملوم من مجلة " الأهرام الرياضي" من أجل الصلح بين بلومي والطبيب لولا الازمة التي أشعلها إبراهيم حسن في مدينة بجاية وهو ما أعاد المبادرة إلى المربع الأول.
لاعبون يستفزون الجماهير
كثيرا ما كان لتصرفات بعض اللاعبين على ارضية الميدان السبب في تاجيج التعصب لدى الجماهير على المدرجات أو أمام شاشات التلفزيون، و يكفي أن نذكر السلوك الأخير الذي قام به اللاعب الدولي السابق للفريق المصري إبراهيم حسن، في ملعب بجاية، وقد حاول إبراهيم تبرير سلوكه ذلك بالضغط الذي كان يعيشه خلال المباراة بسبب الجماهير و ممارسات الحكم جاب الله، وأن الجزائريين لم يستقبلوهم بطريقة لائقة، وغيرها من التبريرات غير مقنعة، وحول سؤالنا له عن العلاقة الكروية بين الجزائر ومصر أنساق إبراهيم في وصفها بأسمى عبارات النبل والمودة، وهنا برأي المحلل الرياضي عصام شنلتوت، أن اللاعبين لهم دور كبير في استفزاز الجماهير الرياضية عن طريق سلوكياتهم غير المسؤولة، كما أن للاعبين دور كبير في نشر قيم ونبل الرياضة على المدرجات وكثيرة هي اللقطات الرياضية التي قامت لها الجماهير جميعا بالتصفيق، و أعطى مثالا على ذلك اللاعب المصري أبو تريكة الذي توج مؤخرا في الجزائر بالكرة الذهبية كأحسن لاعب إفريقي، يقول عصام أنه مثال للاعب المثالي بأدائه وأخلاقه، فالرياضة بدون أخلاق تصبح صراع أجساد على مستطيل أخضر لا تضيف شيئا للإنسانية ولتعزيز غاية التعارف التي ذكرها الله سبحانه وتعالي في كتابه.
إن التنافس الشديد بين الفريق الجزائري والمصري والإرتباط الوثيق لجمهورهما بهما، وتفاعله السلبي والإيجابي مع مجريات المقابلات بالإضافة إلى الوضع الإقتصادي المتدهور الذي يعيشهما البلدين عناصر ساهمت كلها في زيادة تعصب الجمهور الرياضي، ويرى الدكتور عمار جفال أن التعصب في ملاعب كرة القدم في بلداننا العربية صناعة النظم السياسية المفلسة، وذلك من أجل إبعاده المواطنين عن العملية السياسية والمشاركة في الحكم، والانغماس أكثر في صراعات والمشاكل المرتبطة بالرياضة، ولذلك أصبحنا الآن نعيش في عصر الرياضة، حيث تستطيع مقابلة لكرة القدم من القسم الثاني أن تجمع حولها عشرة أضعاف ما يتجمع من مواطنيين حول رئيس الدولة الذي يلقى خطاب هاما للأمة، ويعمل الإعلام دور المساعد في تحقيق هدف إبعاد المواطنين عن العمل السياسي.. وربما لهذا السبب نجد الأنظمة السياسية العربية و رغم خطورة ظاهرة التعصب على الأمن والسلم المجتمعي لا تعطيها الأهمية التي تستحقها.
احذروا.. المرض قد ينتشر
يمكن القول أن حالة التعصب التي تعرفها العلاقات الجزائرية المصرية، ليست في الأساس كروية وإنما تعتبر كرة القدم أحد مخارج التوتر في هذه العلاقة منذ توقيع مصر إتفاقية السلام مع مصر، ولقد كانت للأحداث التي عرفتها مقابلة الفريقين في 16 نوفمبر 1989، وما بعدها مجرد فتحة في فوهة بركان الخلفات الجزائرية المصرية حول مجموعة من القضايا وخاصة تلك المرتبطة بالصراع العربي الاسرائيلي، وقد عمل نظاما البلدين على الدفع بهذه الخلافات نحو السطح من أجل تحقيق نوع من المشروعية لسياستهما، وإيجاد أيضا مجال لشغل المواطنين عن كثير من القضايا التي تحدد مصير وجوده في الأساس، ويمكن أن نؤكد بأن التنافس والتعصب الكروي الجزائري المصري يرجع أيضا للتقارب الكبير في مستوى الفريقين خلال تسعينات القرن الماضي، وكان لإنهزام الجزائر أمام فريق صاعد في ذلك الوقت بمثابة إنتصار كبير للمصريين، مما أعطى للقاء نقطة تحول جميلة بالنسبة للمصريين الذين تأهلوا لأول مرة إلى نهائيات كأس العالم. أما بالنسبة للجزائريين فالهزيمة كانت بمثابة إنتكاسة حقيقية لهم بعدما كانو يناطحون عمالقة الكرة في العالم.
إن التعصب الذي تعرفه العلاقة الكروية الجزائرية المصرية، سوف يأخذ أبعادا خطيرة ليس في العلاقة بين الجزائريين والمصريين بل إنه قد يمتد إلى بلدان أخرى، خاصة في ظل الانغلاق على النفس الذي تعاني منه شعوب الدول العربية، وبقاء الحدود مغلقة سوف يجعل الصورة النمطية السلبية عن الآخر هي السائدة في عقول الأجيال القادمة، وأن تصور الأنظمة السياسية بأنها المستفيذة من الوضع الحالي هي إستفاذة مؤقتة، حيث سوف يتحول داء التعصب للقضاء على السلم والأمن المجتمعي الهش الذي تعيشه كل البلدان العربية.


